سعيد حوي

705

الأساس في التفسير

تضيع الذرية ، ولولا حب الذهب والفضة ، والأنعام والحرث ، ما كان عمل ، ولولا العمل ما قامت الحياة ، ولكن هذه الشهوات تحتاج إلى أن توضع لها حدود حتى لا تطغى عن الحد الذي تحتاجه عمارة الدنيا ؛ لأنها إذا طغت فلم تخضع لقيود أدت إلى عكس ما خلقت من أجله ، ومن ثم أنزل الله كتبه لتقوم هذه الشؤون ضمن الحدود السليمة الصحيحة . وللآية صلة أخرى في السياق سنراها . وفي الآيات الخامسة عشرة ، والسادسة عشرة ، والسابعة عشرة يرفع الله همتنا إلى أن نكون طلاب آخرة ، بتبيان ما أعده لأهل طاعته في جناته ، كما بين متى نكون أهلا لذلك . يقول تعالى في هذه الآيات : قل يا محمد للناس أأخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها ؟ جنات تخترق بين جوانبها وأرجائها الأنهار ، من أنواع الأشربة من العسل ، واللبن ، والخمر ، والماء ، وغير ذلك ، مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، أعدها للمتقين ، وجعلها لهم ماكثين فيها أبد الآباد ، لا يبغون عنها حولا ، ولهم فيها أزواج مطهرة من الدنس ، والخبث ، والأذى ، والحيض ، والنفاس ، وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا ، ومع هذا فإن لهم أن يحل الله عليهم رضوانه ، فلا يسخط عليهم بعده أبدا . ومن شأن الله - سبحانه - أنه بصير بعباده ، يعطي كلا بحسب ما يستحق من العطاء ، وقد بين أن هؤلاء إنما استحقوا « 1 » هذا كله بسبب كونهم من المتقين ، ثم وصف هؤلاء المتقين ، بأنهم يدعون الله طالبين غفرانه ، والعتق من النار ، وأنهم متصفون بالصبر ، والصدق ، والطاعة ، والخضوع ، والإنفاق في سبيل الله ، والاستغفار بالأسحار . وهذه الآيات الثلاث مرتبطة كذلك بموضوع المقطع ، فكما أن عمارة الحياة الدنيا تحتاج إلى وحي من الله ، فإن دخول الجنة والوصول إلى الآخرة يحتاج إلى وحي يبين للإنسان الطريق ، فإذا اتضحت هذه المعاني ، عرفنا الصلة بين هذا المقطع والآيات الأولى من سورة البقرة التي تصف المتقين ، بأن القرآن هداهم ، وأنهم يؤمنون بكل ما أنزل الله ، ثم يختم الله - عزّ وجل - هذا المقطع بما بدأه به من إعلان وحدانيته وقيوميته ، فيخبر الله - تعالى - في الآية الأخيرة أنه شهد ، وكفى به شهيدا ، وهو

--> ( 1 ) يلاحظ أن ابن كثير يستعمل كلمة ( استحق ) ولا يستعملها من باب أن لكل أحد حقا على الله وواجبا ، وإنما من باب أن الله - عزّ وجل - أوجب على نفسه لخلقه ، وهو موضوع مرتبط ببعض المصطلحات الكلامية ؛ لذلك أشرنا إليه .